عين القضاة
مقدمة 29
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
مدركات مملوكات هذه العين ، يضاهى قصور الوهم عن ادراك مدركات العقل . فمن صادف من باطنه تصديقا ضروريا لا مجال فيه لشك ولا ريب ، بأن الكثير المطلق في علم اللّه تعالى كالقليل المطلق من غير فرق وتفاوت ، فليتحقق أن عين المعرفة قد انفتحت في باطنه ، وستصير ينبوعا على القرب لأمثال هذه الحكم . فإباه ثم إياه أن يدع للقذى إليها طريقا ؛ فكثيرا ما يقع لها من الوقائع ما يعمّشها ويقذيها ، وعلى الجملة يخرجها عن كونها مدركة لما يخصها . وليعتبر في ذلك بقوله تعالى « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » . واعلم أن نسبة تلك الوقائع من عين المعرفة كنسبة الوقائع التي تقع للأرض وتبطل استعداد قبولها لفيضان نور الشمس . الفصل العشرون ( الفرق بين إدراك العالم والعارف لوجود اللّه ) من خواص الطور الذي بعد العقل أنّه إذا أدرك وجود الحق تعالى لزمه شوق عظيم اليه لا تتصور عنه العبارة وطلب تام . والعقل أيضا يلتذ بإدراك وجود الحق ولكنه ليس ذلك التذاذا بادراك جماله ، بل هو الألتذاذ به من حيث أنه معلوم كما يلتذ بسائر المعلومات من الحساب والطب وغيرها . ولعمري لا أنكر التفاوت في التذاذه بين إدراك الحق وبين إدراك مسألة حسابية ؛ ولكنه كالتفاوت الذي تراه في سائر المعلومات من حيث شرفها وخستها ، بل من حيث أنّ بعضها فوق البعض بالطبع . وكان العقل إذا التذ بادراك وجود الحق من حيث كونه معلوما فهو شبيه بالبصر الظاهر إذا التذ بادراك